الغزالي

214

إحياء علوم الدين

لا قبلت لك عملا فأنا أعمل في غير معمل . وقال إبراهيم بن أدهم . إذا قيل لك أمؤمن أنت ؟ فقل لا إله إلا الله . وقال مرة . قل : أنا لا أشك في الايمان وسؤالك إياي بدعة . وقيل لعلقمة : أمؤمن أنت ؟ قال أرجو إن شاء الله . وقال الثوري : نحن مؤمنون با لله وملائكته وكتبه ورسله ، وما ندري ما نحن عند الله تعالى ، فما معنى هذه الاستثناءات ؟ فالجواب أن هذا الاستثناء صحيح وله أربعة أوجه : وجهان مستندان إلى الشك لا في أصل الايمان ولكن في خاتمته أو كماله ، ووجهان لا يستندان إلى الشك الوجه الأول الذي لا يستند إلى معارضة الشك : الاحتراز من الجزم خيفة ما فيه من تزكية النفس ، قال الله تعالى : * ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ) * وقال : * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ) * وقال تعالى : * ( انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ ) * . وقيل لحكيم . ما الصدق القبيح ؟ فقال : ثناء المرء على نفسه . والايمان من أعلى صفات المجد ، والجزم به تزكية مطلقة ، وصيغة الاستثناء كأنها نقل من عرف التزكية كما يقال للانسان أنت طبيب أو فقيه أو مفسر ؟ فيقول نعم إن شاء الله ، لا في معرض التشكيك ، ولكن لإخراج نفسه عن تزكية نفسه . فالصيغة صيغة الترديد والتضعيف لنفس الخبر ، ومعناه التضعيف للازم من لوازم الخبر وهو التزكية وبهذا التأويل لو سئل عن وصف ذم لم يحسن الاستثناء . الوجه الثاني : التأدب بذكر الله تعالى في كل حال ، وإحالة الأمور كلها إلى مشيئة الله سبحانه ، فقد أدب الله سبحانه نبيه صلَّى الله عليه وسلم فقال تعالى : * ( ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله ) * ثم لم يقتصر على ذلك فيما لا يشك فيه ، بل قال تعالى : * ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ ) * وكان الله سبحانه عالما بأنهم يدخلون لا محالة ، وأنه شاءه ، ولكن المقصود تعليمه ذلك ، فتأدب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم في كل ما كان يخبر عنه معلوما كان أو مشكوكا ، حتى قال صلَّى الله عليه وسلم لما دخل المقابر [ 1 ] « السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون » واللحوق بهم غير مشكوك فيه ، ولكن مقتضى الأدب ذكر الله تعالى ، وربط الأمور به ، وهذه الصيغة دالة عليه حتى صار بعرف الاستعمال عبارة عن إظهار الرغبة والتمني . فإذا قيل لك : إن فلانا